الألم الذي يكتب
العودة للمقالات
قراءات8 دقائق قراءة2026-02-25

الألم الذي يكتب

الأوبئة والأمراض والحروب — تُفتك بالأجساد وتُولّد في الوقت ذاته بعض أجمل ما كتبه الإنسان. كيف يتحوّل الألم إلى أثر؟

المعاناة كمادة خام

في عام ١٨٩٥، حين اجتاح وباء الكوليرا مدينة الرشيد في مصر، كان علي الجارم طالباً يرى الموت يمشي في الشوارع. لم يهرب من المشهد — كتبه. حوّل الكوليرا اللعينة إلى قصيدة.

وفي غرفة مستشفى في الكويت، كتب بدر شاكر السياب «غريب على الخليج» — يبثّ حنينه لبلده وهو يخضع للعلاج. القصيدة لم تُولد رغم الألم — بمعنى ما، وُلدت بسببه.

أمل دنقل كتب «أوراق الغرفة ٨» من غرفته في المشفى، مقارناً نفسه بباقات الورد التي يحملها الزوار.

"تتنفس مثلي بالكاد — ثانية ثانية. — أمل دنقل، أوراق الغرفة ٨"

الكوليرا التي أطلقت الشعر الحر

في تاريخ الأدب العربي، هناك محطة فارقة ارتبطت بوباء. قصيدة «الكوليرا» للشاعرة العراقية نازك الملائكة تُعدّ بداية ما سُمي الشعر الحر في العربية — خروج أول عن عمود الشعر الكلاسيكي.

الوباء كان هو الصدمة التي لم تستطع أوزان الشعر التقليدي استيعابها. فكسرت الملائكة القالب.

وليس هذا استثناء. روديارد كبلينغ كتب عن الكوليرا. غارسيا ماركيز جعل منها خلفية لروايته عن الحب. ألبير كامو حوّل الطاعون إلى مجاز للغزو النازي. الوباء كان المرآة التي رأت فيها كل واحدة منهم شيئاً مختلفاً.

لماذا يكتب المتألمون؟

ليس كل من تألم كتب. لكن من كتب — في الغالب — كان يحاول أن يفهم. الكتابة هنا ليست تعبيراً فحسب — هي محاولة للإمساك بشيء يفلت.

الطبيب النمساوي فيكتور فرانكل — الذي نجا من معسكرات الاعتقال — كتب «الإنسان يبحث عن معنى» بعد تحرّره. قال إن الذين نجوا نفسياً كانوا أولئك الذين وجدوا سبباً لما يعيشونه.

المغربي الطاهر بن جلّون كتب تجربته مع السرطان في رواية «الاستئصال». وائل وجدي كتب «ساقي اليمنى». أمير تاج السر تأثر بإيبولا فكتب رواية عنها.

في كل هذه الأعمال شيء مشترك: الألم لم يُكتب ليُروّع — كُتب ليُفهم.

الأدب كذاكرة جماعية

هناك وظيفة أخرى يؤديها الأدب المولود من الألم — يحفظ ما لا تحفظه الأرقام.

التقارير الطبية تخبرك بعدد الوفيات. أما القصيدة التي كتبها شخص يرى جاره يموت — فتخبرك بما يعنيه ذلك.

جوزيه ساراماغو في «العمى»، جوزيف بيرن في «الموت الأسود» — هذه الأعمال ليست توثيقاً. هي ذاكرة.

ماذا نصنع نحن بألمنا؟

لست مضطراً لأن تكتب قصيدة. لكن السؤال يظل: ما الذي تفعله بما تمر به؟

بعض الناس يحوّل الألم إلى مادة تُعيق. وبعضهم — وهم ليسوا بالضرورة أقل ألماً — يحوّله إلى شيء آخر. عمل، علاقة، فهم، سؤال يفتح باباً.

المتنبي تحدث عن الحمى التي أصابته وجعل منها قصيدة. لم يتظاهر بأنها لم تؤلمه. كتب الألم بالاسم — ثم تجاوزه.

جذور الفكرة

الأصل

الارتباط بين المعاناة والإبداع موجود في أقدم ما كتبه الإنسان. من كتاب أيوب في التراث الإبراهيمي — الذي يتناول الألم بمحبة وعمق — إلى الإلياذة التي تُعيد في جوهرها التساؤل عن معنى الحرب والفقد.

السياق

في عالم اليوم، نميل إلى رؤية الألم كعائق يجب إزالته بسرعة. لكن الأدب يُذكّرنا بأن بعض الحقائق لا تظهر إلا في اللحظات الصعبة.

قصة ذات صلة

ابحث عن كيف كتب فريدا كالو في فترة تعافيها من حادث السيارة المأساوي. من على سرير المستشفى، بمرآة فوق رأسها لأنها لا تستطيع الجلوس — بدأت ترسم.

كتب مذكورة في هذا المقال

الإنسان يبحث عن معنى

الإنسان يبحث عن معنى

فيكتور فرانكل

الطاعون

الطاعون

ألبير كامو

العمى

العمى

جوزيه ساراماغو

الاستئصال

الاستئصال

الطاهر بن جلون

ساقي اليمنى

ساقي اليمنى

وائل وجدي

إيبولا 76

إيبولا 76

أمير تاج السر

"تتنفس مثلي بالكاد — ثانية ثانية. — أمل دنقل"

المحور: قراءات

اكتشف المزيد من المقالات في هذا المحور

تصفح المحور ←